المنظومة اللوجستية السعودية تتجاوز تحديات هرمز وتدعم التجارة العالمية
في ظل التوترات التي يشهدها مضيق هرمز وما يفرضه من ضغوط على حركة التجارة العالمية، أظهرت المملكة العربية السعودية قدرة فائقة في إدارة التحديات اللوجستية. ا
تخذت المملكة إجراءات تشغيلية واستراتيجية متوازية لضمان انسيابية الإمدادات وتفادي أي تعطل في حركة الملاحة، خاصة لناقلات النفط والغاز.
يعكس هذا التحرك قدرة المملكة على التعامل مع الأزمات بمنظور مزدوج: استجابة فورية تحفظ التدفقات التجارية، وتسريع لمسار استراتيجي أوسع يهدف إلى ترسيخ موقعها كمنصة لوجستية عالمية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
بنية طاقة تعزز الاستقرار
بالتوازي مع الاستجابة اللوجستية، تبرز أهمية البنية الاستراتيجية لقطاع الطاقة، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق–غرب "بترولاين"، الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر. يُعد هذا الخط أحد أهم البدائل العالمية لتجاوز الاختناقات الجيوسياسية في الخليج العربي، حيث تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، مما يمنح المملكة قدرة كبيرة على إعادة توجيه صادراتها النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز.
ولا يقتصر دور "بترولاين" على كونه خيارًا تشغيليًا بديلًا، بل يمثل أداة استراتيجية لتعزيز استقرار أسواق الطاقة العالمية، من خلال تقليل المخاطر المرتبطة بتركّز الإمدادات في ممرات بحرية ضيقة، ودعم موثوقية تدفقات النفط إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والأمريكية عبر البحر الأحمر، بما ينعكس على استقرار الأسعار وكفاءة سلاسل الإمداد.
تكامل النقل يرفع الجاهزية
ويؤكد رئيس مجلس اللوجستيات بغرفة جدة، ريان قطب، أن التطورات المرتبطة بمضيق هرمز تمثل فرصة لتطوير قدرة سلاسل الإمداد على الاستمرارية، مشيرًا إلى أن المملكة تتعامل مع هذه المرحلة من خلال نهج متوازن يجمع بين الاستجابة التشغيلية الفورية والبعد الاستراتيجي طويل المدى.
ويضيف أن الجهود الحالية لا تقتصر على ضمان تدفق السلع وخدمة الأسواق المحلية والخليجية، بل تمتد إلى تسريع تطوير المنظومة اللوجستية وتحويل التحديات إلى فرصة لتعزيز الكفاءة والتكامل.
ويشير إلى أن أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو تسارع بناء منظومة متعددة الوسائط تربط بين النقل البحري والبري والجوي والسككي، مع دعم هذا التكامل عبر الأتمتة وتكامل الإجراءات، وهو ما يعزز مرونة سلاسل الإمداد وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.
استجابة للأزمة وتسريع للمسار
ويرى قطب أن التحرك السعودي لا ينبغي قراءته فقط من زاوية الاستجابة للتحديات، بل أيضًا من زاوية تسريع التطوير. فالمملكة تعمل من جهة على خدمة السوق السعودي والخليجي وضمان عدم اضطراب التدفقات، ومن جهة أخرى على تسريع استكمال عناصر المنظومة اللوجستية التي بُنيت خلال السنوات الماضية ضمن رؤية 2030.
ويشير إلى أن ما يحدث اليوم يعزز جاهزية الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية والأنظمة التشغيلية والجمركية، كما يرفع من وتيرة التكامل بينها. ويقارن ذلك بما حدث خلال جائحة كورونا، حين أسهم الضغط العملي في تسريع بعض التحولات مثل خدمات الميل الأخير، بينما تسهم التحديات الحالية في تسريع النقل متعدد الوسائط، وزيادة الاندماج بين القطاعين الحكومي والخاص، ورفع مستوى الأتمتة.
تنوع المنافذ يمنح مرونة أعلى
ومن أبرز عناصر القوة في المنظومة اللوجستية السعودية، بحسب قطب، تنوع المنافذ البحرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وهو ما يتيح توزيع التدفقات التجارية وعدم الاعتماد على مسار واحد.
فالمملكة لا ترتكز على ميناء واحد أو واجهة بحرية واحدة، بل على مجموعة من الموانئ ذات القدرات الاستيعابية العالية، تمتد من الشمال إلى الجنوب على الخليج والبحر الأحمر، ما وفر مرونة واضحة في إعادة توجيه الحركة تبعًا للظروف. ويعزز هذا التنوع شبكة طرق متقدمة، إلى جانب الربط السككي والمراكز اللوجستية داخل المدن، بما يتيح نقل البضائع وإعادة توزيعها بسرعة وكفاءة داخل المملكة وإلى دول الجوار، ويجعل المنظومة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
توسيع الربط الملاحي
وعلى مستوى الموانئ، يشير قطب إلى أن هيئة الموانئ عملت على تعزيز الربط الملاحي عبر إضافة 5 خدمات شحن ملاحية جديدة بالشراكة مع كبرى الخطوط العالمية مثل MSC وCMA CGM وMaersk وHapag-Lloyd، بطاقة استيعابية إجمالية تجاوزت 63,594 حاوية قياسية.
ويؤكد أن هذه الخطوة لم تكن رمزية، بل كانت عملية من حيث توسيع خيارات الشحن، وتنويع المسارات، وتعزيز الربط بالأسواق الإقليمية والدولية. كما أُضيفت لاحقًا 3 خدمات شحن ملاحية جديدة تابعة لشركة Maersk إلى ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالله، بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 14,400 حاوية قياسية، ما عزز الميزة التنافسية للموانئ السعودية في توقيت حساس.
حوافز تشغيلية وتجارية
ويشير قطب إلى أن الجهود لم تقتصر على استقطاب الخطوط الملاحية، بل شملت أيضًا مبادرات تشغيلية وتجارية مباشرة رفعت تنافسية الموانئ السعودية.
فقد تم إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري، كما أطلقت مبادرة تمديد فترة الإعفاء إلى 20 يومًا للحاويات الصادرة المعبأة والحاويات الواردة الفارغة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع.
وفي ميناء جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، أُطلق برنامج حوافز جديد بمزايا تنافسية تصل إلى 50% لدعم المستثمرين التجاريين والصناعيين، وتحفيز نمو التجارة والخدمات اللوجستية، واستقطاب خطوط ملاحية جديدة. كما جرى تعزيز الجانب التشغيلي داخل الموانئ، ومن ذلك رفع سعة بوابات الشاحنات في ميناء جدة الإسلامي من 10 إلى 18 مسارًا، وهو إجراء ينعكس مباشرة على سرعة دخول وخروج الشاحنات، وتقليل زمن التكدس، وتحسين انسيابية الحركة.
تكامل مؤسسي وتسريع القرار
ويؤكد قطب أن أحد أهم عناصر التميز في هذه المرحلة يتمثل في مستوى التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، والذي تجاوز التنسيق التقليدي والاجتماعات الدورية إلى تواصل مباشر ومعالجة يومية للتحديات التشغيلية واتخاذ قرارات سريعة.
ويشير إلى أن هذا التكامل يتم عبر أكثر من قناة، من بينها مجلس الشراكة اللوجستي مع وزارة النقل والخدمات اللوجستية، إضافة إلى التواصل المباشر مع منظومة الموانئ والجهات الحكومية المختلفة، وبمشاركة أكثر من 20 جهة ذات علاقة بالتشغيل والجمارك والنقل والمنافذ والخدمات المساندة.
ويضيف أن هذا المستوى من التنسيق اليومي أتاح حل تحديات الترانزيت والمناولة وحركة الشاحنات وسرعة التخليص وتوزيع الأدوار، دون انتظار دورات طويلة من المخاطبات. وقد انعكس ذلك عمليًا في استيعاب أحجام تشغيلية مرتفعة، حيث سجلت المنافذ عبور نحو 166 ألف شاحنة بضائع متجهة إلى دول الجوار خلال فترة قصيرة، كما تم تسجيل 88,109 شاحنات عبر المنافذ البرية خلال الفترة من الأول إلى الخامس والعشرين من مارس فقط.
مرونة جمركية داعمة
وفي هذا السياق، لعبت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك دورًا مهمًا في رفع مرونة النظام، من خلال إتاحة نشاط النقل بالعبور دون اشتراط ضمان بنكي خلال المرحلة الحالية، وهو إجراء له أثر مباشر في تسهيل العمليات وتقليل التعقيدات المالية والإجرائية.
كما أتاحت الهيئة النقل بنظام العبور الداخلي بين المنافذ الجوية والبحرية دون اشتراط إصدار لوحات ترانزيت، وهو ما يدعم سرعة التشغيل ويرفع كفاءة الربط بين عناصر المنظومة المختلفة. ويشدد قطب على أن مثل هذه الإجراءات لا تضيف فقط سرعة، بل تضيف أيضًا وضوحًا ومرونة، وهما عنصران أساسيان في أي منظومة لوجستية تواجه ضغطًا متزايدًا.
تحول في الدور اللوجستي للمملكة
ويشير قطب إلى أن المملكة تشهد تحولًا واضحًا في دورها اللوجستي؛ فبعد أن كانت تاريخيًا بوابة رئيسية للصادرات والواردات المرتبطة بالسوق المحلي، أصبحت اليوم تتحول بوتيرة متسارعة إلى منصة إقليمية تخدم الصادر والوارد والترانزيت على مستوى الخليج والمنطقة.
ويضيف أن هذا التحول لا يعني فقط زيادة الأحجام، بل يعني تغيرًا في الوظيفة نفسها، بحيث أصبحت المملكة قادرة على استقبال البضائع المتجهة إلى أسواق الخليج، وفي الوقت ذاته دعم تدفق الصادرات الخليجية إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ السعودية. ويمثل هذا التحول نقلة استراتيجية كبيرة، لأنه يضع المملكة في موقع إدارة التدفقات في الاتجاهين، وليس فقط استقبال البضائع المتجهة إلى السوق المحلي.
خفض كلفة الشحن عبر دعم الصادرات
ويشدد قطب على أن دعم الصادرات المحلية والخليجية عبر المملكة لا يسهم فقط في استمرارية الأعمال، بل يحقق أيضًا أثرًا مباشرًا على كلفة الشحن.
فكلما تحقق توازن أفضل بين حركة الواردات والصادرات، تحسنت كفاءة تشغيل الخطوط الملاحية، وانخفضت الكلفة الإجمالية. ومن هذا المنطلق، كان هناك عمل مع القطاع الخاص والغرف التجارية الخليجية لاستقطاب الصادرات، بما يسهم في خلق حركة أكثر توازنًا، ويجعل البيئة التشغيلية أكثر جاذبية للخطوط الملاحية. ويرى أن هذه النقطة جوهرية لأنها تربط بين الخدمة اللوجستية والجدوى الاقتصادية، وتعزز قدرة المملكة على تقديم قيمة حقيقية للشركات والشركاء في المنطقة، وليس فقط مسارات بديلة.
ممرات لوجستية بعمق إقليمي
وفيما يتعلق بالممرات اللوجستية، يوضح قطب أن ما تم تطويره لا يقتصر على مسار واحد، بل هو منظومة مترابطة من الممرات تربط الموانئ بالموانئ الجافة والمراكز اللوجستية داخل المدن مثل الرياض والدمام، وتعزز الربط مع دول الخليج والدول المجاورة.
ويضيف أن هذه الممرات لا تخدم فقط الحركة بين الموانئ والأسواق الداخلية، بل توسع أيضًا نطاق الربط الإقليمي، كما تفتح إمكانية الوصول إلى موانئ البحر المتوسط عبر الربط البري والسككي مع الأردن وسوريا، وهو بعد استراتيجي يمنح المنظومة السعودية عمقًا جغرافيًا إضافيًا يتجاوز الإطار المحلي والخليجي المباشر. كما يشير إلى أن هذه المنظومة مؤهلة لاستيعاب طلب إضافي يتراوح بين 4 و5 ملايين حاوية مرتبطة بأسواق الخليج، وهو ما يعكس حجم الطلب المتاح وجاهزية البنية التحتية للتعامل معه.
السكك الحديدية والمطارات ضمن المنظومة
ويؤكد قطب أن السكك الحديدية تمثل عنصرًا مهمًا في تكامل وسائل النقل، حتى وإن لم تكن المحور الأول مقارنة بالموانئ والطرق والمطارات. ويشير إلى أن "سار" أطلقت ممرًا لوجستيًا يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة، ويمتد لأكثر من 1700 كيلومتر، مع تقليص زمن الرحلة إلى نحو النصف مقارنة بالنقل البري التقليدي، وبطاقة استيعابية تتجاوز 400 حاوية نمطية للقطار الواحد.
كما تم الإعلان عن 5 مسارات لوجستية جديدة تعزز الربط بين الموانئ والمراكز الاقتصادية، بما يدعم المنظومة متعددة الوسائط ويرفع كفاءتها، خصوصًا عند دمجها مع شبكة الطرق والموانئ والمراكز الداخلية.
وفي الوقت نفسه، لعبت المطارات دورًا واضحًا في دعم استمرارية الإمدادات، حيث استقبلت المملكة رحلات جوية من دول الخليج عبر مطاراتها المختلفة، ما أسهم في استمرار تدفق الشحنات الحساسة والعاجلة. ويؤكد قطب أن هذا البعد الجوي يضيف طبقة إضافية من المرونة، ويعزز قدرة المملكة على التعامل مع الشحنات ذات الأولوية العالية وربطها بباقي عناصر الشبكة اللوجستية.
الخدمات البحرية والأتمتة
وعلى مستوى الخدمات البحرية، يوضح قطب أن الأثر الواقعي ظهر في رفع الجاهزية التشغيلية، حيث جرى تعزيز التنسيق بين وزارة الطاقة ومنظومة الموانئ لزيادة مخصصات الوقود للسفن، خصوصًا مع ارتفاع الطلب على خدمات التموين.
كما تم رفع جاهزية مختلف الخدمات البحرية، ودعم السفن العالقة في الخليج العربي، وإعادة توزيع الموارد البشرية بين الموانئ بحسب الحاجة لتعزيز الكفاءة التشغيلية. ويؤكد أن هذا التحرك شمل التموين والخدمات المساندة ورفع جاهزية الخدمات البحرية المختلفة، بما يجعل البيئة التشغيلية أكثر سلاسة وأكثر جاذبية للسفن والخطوط الملاحية.
وفي موازاة ذلك، أصبحت الأتمتة والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من رفع كفاءة المنظومة، سواء عبر المنصات اللوجستية أو من خلال تكامل الإجراءات بين الجهات. ويشير قطب إلى أن استخدام المنصات الرقمية لتسريع الإجراءات وتحسين التنسيق بين الجهات يمثل جزءًا مهمًا من الحل، لأنه يختصر الزمن، ويقلل الاحتكاك الإجرائي، ويدعم وضوح المسار التشغيلي للبضائع. ويضيف أن المرحلة الحالية ستدفع هذا المسار إلى الأمام بشكل أسرع، لأن الضغط العملي يسرّع دائمًا تبني الحلول الأكثر كفاءة.
ميزة استراتيجية قيد الترسخ
ويختتم قطب بالتأكيد على أن أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو تسارع تكامل وسائل النقل، مشيرًا إلى أن المنافسة اللوجستية العالمية لن تكون مستقبلًا على كفاءة كل وسيلة نقل على حدة، بل على قدرة المنظومات على التكامل بين النقل البحري والبري والجوي والسككي.
ويرى أن المملكة تتقدم في هذا المسار بسرعة واضحة، وأن ما كان يتطور على مدى أطول أصبح اليوم يتسارع بفعل الحاجة العملية والجاهزية المؤسسية. ويؤكد أن المرحلة الحالية تمثل فرصة عملية لتسريع تطوير القطاع اللوجستي وتعزيز تكامله، مشيرًا إلى أن المملكة لا تكتفي بالتعامل مع التحديات، بل توظفها لتسريع تحقيق مستهدفات رؤيتها.
وفي المحصلة، فإن ما تشهده المنظومة اليوم يعكس نضجًا متقدمًا في بنيتها التشغيلية، وقدرتها على التحول من إدارة التحديات إلى بناء ميزة استراتيجية قائمة على التكامل والمرونة والجاهزية العالية، بما يعزز دور المملكة ليس فقط كبوابة محلية للصادرات والواردات، بل كمنصة إقليمية متقدمة لإدارة تدفقات التجارة.

0 Comments: